محمد جواد مغنية
508
في ظلال نهج البلاغة
وللموت لا للحياة ، وأنّك في منزل قلعة ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنّك طريد الموت الَّذي لا ينجو منه هاربه ، ولا بدّ أنّه مدركه ، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال سيّئة قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة فيحول بينك وبين ذلك ، فإذا أنت قد أهلكت نفسك . يا بنيّ أكثر من ذكر الموت وذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه حتّى يأتيك وقد أخذت منه حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك . وإيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبّأك اللَّه عنها ، ونعت لك نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، فإنّما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها بعضا ، ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها . نعم معقّلة ، وأخرى مهملة قد أضلَّت عقولها وركبت مجهولها ، سروح عاهة بواد وعث . ليس لها راع يقيمها ، ولا مقيم يسيمها . سلكت بهم الدّنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى ، فتاهوا في حيرتها ، وغرقوا في نعمتها ، واتّخذوها ربّا فلعبت بهم ولعبوا بها ونسوا ما وراءها .